روائح المقعد الخلفي: ذكريات الطفولة من نافذة السيارة
بعض الذكريات لا تُستقى من الصور أو المحادثات، بل من الروائح - روائح ناعمة، مفاجئة، وحية لدرجة أنها تُشعرك وكأنك تسافر عبر الزمن. وبالنسبة لكل من نشأ في الهند، فإن بعضًا من أكثر الروائح التي لا تُنسى لم تكن داخل المنزل، بل كانت تتسلل عبر نافذة السيارة . الأمر لا يقتصر على رحلات الطرق فحسب، بل يتعلق بذكريات الطفولة، المحفوظة في أكثر أرشيفات العطور التي لا تحظى بالتقدير الكافي: المقعد الخلفي لسيارة العائلة.
1. محطات الوقود وتصريح شراء العلكة
كنتَ تعلم أن السيارة ستتوقف قبل أن تتوقف فعلاً، فقد لامست رائحة البنزين النفاذة أنفك وبقيت عالقة. كان هناك شيءٌ غريبٌ ومريحٌ في تلك الرائحة. رائحةٌ ناضجة. معدنية. فيها شيءٌ من التمرد.
وبينما كان الكبار يدفعون وتغطى النوافذ بالضباب، كنتَ تتفحص رف الوجبات الخفيفة الصغير على مضخة الوقود. ربما كنتَ تغادر ومعك علكة. في كلتا الحالتين، كانت الرائحة تبقى عالقة بك.
2. المطر + القطران + تحذيرات الأم
انفتحت النوافذ. ودخل المطر. شممت رائحة القطران المبلل، والماء الموحل، وشاي الطريق، ومقعد السيارة البلاستيكي الذي يسخن تحت ساقيك.
حذرتك والدتك من مدّ يدك، لكنك فعلت. وكانت رائحة الهواء كرائحة شيء دائم، كبداية ذكرى.
3. أكشاك الطعام في الشوارع = جنة في ضباب
لم تكن بحاجة إلى خرائط جوجل لمعرفة مكانك. أنفك أخبرك بذلك.
السمبوسة الحارة، وزيت القلي، والبخور المنبعث من معبد على جانب الطريق، ورائحة الجليبي الساخنة الحلوة، كلها تختلط في الهواء حتى قبل أن تفتح باب السيارة.
توسلت إليهم أن يتوقفوا سريعاً. قالوا لا. لكن دائماً ما كان أحدهم يستجيب.
4. انفجار عود ذلك العم
أنت محشور في المقعد الخلفي، والنوافذ مغلقة، ومكيف الهواء يعمل بأقصى طاقته... وفجأة، تتحول السيارة إلى غرفة عود .
عمك الأنيق يجلس في المقدمة، يرتدي نظارة شمسية داخل السيارة، ويضع عطر عود فاخر للرجال تفوح رائحته حتى قبل أن يتكلم.
لا يمكنك التنفس. لكن بصراحة، رائحته فاخرة.
5. النوم في المقعد الخلفي = ألطف ذكرى
ربما كانت الموسيقى تعزف. ربما لم تكن. التففتِ بشال، وأسندتِ رأسكِ على النافذة، وأنتِ نصف نائمة.
كنت تشم رائحة الغبار، والمفروشات القديمة، ومزيل العرق الخاص بوالدك، وربما لمحة من عطر كانت والدتك تضعه كل يوم، ذلك النوع الذي ليس قوياً ولكنه موجود دائماً.
لم تكن تعلم حينها، لكنك كنت تستنشق الأمان.
الخلاصة
لا نتحدث بما فيه الكفاية عن مدى قوة الرائحة عندما يتعلق الأمر بالطفولة.
ليس الأمر مجرد ورد أو لافندر. إنه مطرٌ على القار. بنزينٌ عند الغسق. مقاعد سيارات بلاستيكية. وجبات خفيفة مقلية. عطر أولد سبايس. أمل.
إن روائح المقعد الخلفي ليست مجرد ذكريات حنين. إنها طوابع زمنية عاطفية، محبوسة في عقلك الباطن، تنتظر أن يتم استعادتها.
ولعل هذا هو السبب في أن العطور لا تزال مهمة حتى اليوم. ففي بعض الأحيان، تكون أقوى العطور هي تلك التي تذكرنا بماضينا.